فخر الدين الرازي

29

تفسير الرازي

البحث الثاني : قال صاحب " الكشاف " * ( دعوة الحق ) * فيه وجهان : أحدهما : أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف إليه الكلمة في قوله : * ( كلمة الحق ) * والمقصود منه الدلالة على كون هذه الدعوة مختصة بكونها حقة وكونها خالية عن أمارات كونه باطلاً ، وهذا من باب إضافة الشيء إلى صفته . والثاني : أن تضاف إلى الحق الذي هو الله سبحانه على معنى دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب ، وعن الحسن : الحق هو الله وكل دعاء إليه فهو دعوة الحق . ثم قال تعالى : * ( والذين يدعون من دونه ) * يعني الآلهة الذين يدعونهم الكفار من دون الله : * ( لا يستجيبون لهم بشيء ) * مما يطلبونه إلا استجابة كاستجابة باسط كفيه إلى الماء ، والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه ، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه ، فكذلك ما يدعونه جماد ، لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ، ولا يقدر على نفعهم وقيل شبهوا في قلة فائد دعائهم لآلهتهم ، بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فيبسطها ناشراً أصابعه ولم تصل كفاه إلى ذلك الماء ولم يبلغ مطلوبه من شربه ، وقرئ * ( تدعون ) * بالتاء * ( كباسط كفيه ) * بالتنوين ، ثم قال : * ( وما دعاء الكافرين إلى في ضلال ) * أي إلا في ضياع لا منفعة فيه ، لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم . * ( وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ واَلاَْصَالِ ) * اعلم أن في المراد بهذا السجود قولين : القول الأول : أن المراد منه السجود بمعنى وضع الجبهة على الأرض ، وعلى هذا الوجه ففيه وجهان : أحدهما : أن اللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد به الخصوص وهم المؤمنون ، فبعض المؤمنين يسجدون لله طوعاً بسهولة ونشاط ، ومن المسلمين من يسجد لله كرهاً لصعوبة ذلك عليه مع أنه يحمل نفسه على أداء تلك الطاعة شاء أم أبى . والثاني : أن اللفظ عام والمراد منه أيضاً العام وعلى هذا ففي الآية إشكال ، لأنه ليس كل من في السماوات والأرض يسجد لله بل الملائكة يسجدون لله ، والمؤمنون من الجن والإنس يسجدون لله تعالى ، وأما الكافرون فلا يسجدون . الجواب عنه من وجهين : الأول : أن المراد من قوله : * ( ولله يسجد من في السماوات والأرض ) *